Wednesday, January 30, 2008

الليلة الماضية كانت قلقة نسبيا، فقد صحوت من نومي وقفزت بالرغم من البرودة الشديدة نحو النافذة للتحقق من أن الثلوج قد غطت الخارج أم لا، فعلت ذلك حوالي ثلاث مرات حتى انني في المرة الأخيرة تخيلت بأنني أكثر شغفا من طفل صغير لقدوم الثلج،
لا أعرف لماذا كان لدي شعور بأن هذا الثلج ليس مجرد عاصفة تأتي وبياض يغمر العالم هذه المرة، رغم أنني لم أقرر بأنني سأغادر المنزل لأي سبب كان حتى ينتهي كل شيء في الخارج
عندما استيقظت في الصباح الباكر ونظرت من النافذة هبت كومة من الثلوج بحركة دائرية خلتها استعراضا مستفزا جدا، ولأنها مرت بمحاذاة نافذتي تماما شعرت بأنها تلطمني او تتحداني بجرأة كبيرة
هزتني كومة من مشاعر غير عادية وعلى الأغلب أنها كانت سلبية
ابتسمت ظاهريا وضحكت بصخب داخليا،
فكرت في الأجواء الرومانسية جدا التي تمنحها عاصفة ثلجية لنا حتى أن عنوان رواية محددة لم يكف عن التراود إلى أسماعي "فوق الجبل وتحت الثلج" رواية كنت قد بدأت بقرأتها يوما وأعرضت قبل أن أقطع شوطا طويلا فيها.
فكرت بأن أمي وعدتنا بأنها ستحضر لنا شطيرة التفاح بالقرفة والجوز وكم ستكون الحياة أجمل مع شاي بالزنجبيل...
تذكرت أول مرة رأيت فيها الثلج وكنت في الصف الثالث أو الرابع وكنا حينها في القاعة الشتوية في المدرسة، هذه القاعة كبيرة جدا وباردة أكثر وخصوصا وأنها من جهة ذات واجهة زجاجية، في ذلك اليوم أذكر بأنني رأيت تلك الحبات الهابطة من السماء كأنها كرات غولف ، ربما كانت كبيرة جدا وربما كانت عيناي أصغر مما هما عليه اليوم...
كل تلك الأفكار كانت تهربا من أفكار حزينة ومزعجة أخرى،
هناك صديق حميم لم أزره منذ شهر تقريبا ولم أهاتفه وقد عودته أن أزوره كل يوم، صديقتي أيضا، لم أرها منذ فترة طويلة مع علمي ويقيني التام بأنها اليوم في أشد الحاجة إلي أو أنني أود لو أكون إلى جانبها
موضوع غزة يقلقني جدا ويشعرني بكثير من الخزي وقلة الفائدة، أعشق أن أحتضن المدفأة في أيام الشتاء واليوم أقوم بأشياء غريبة وقد تكون غبية لكي أجلس بجانب المدفأة أقل وقت ممكن، لبست من كل شيء اثنين أو ثلاثة وأبقيت على الحركة طوال النهار حتى أنني من صنع فطيرة التفاح، حتى لا تهزني مشاعر الذنب مرة أخرى
يراودني الشعور عندما آكل، عندما أشرب مياها نظيفة وعندما أخلد إلى النوم أو أهمل الكثير من الرسائل التي تصلني من أصدقاء في غزة
قرأت رسالة كتبها غسان كنفاني في العام 1956 من غزة مرتين أو ثلاثة، قرأت أحد الكتب التي أهداني إياها رجل طاعن في السن يوما ما عندما ذهبت لشراء بعض الكتب، "ما لم يُعرف من أدب غشان كنفاني" مشاعري باليأس والاكتئاب من هذا الواقع تزداد
أعتقد بان الأمور لن تتوقف عند هذه الفظاعة لأن هناك من مزيد، ليس هذا آخر الذل وآخر العذاب فهناك ما لم يذوقوه وما لم نذقه نحن أيضا، هم ونحن، أهكذا أضحت الأمور؟؟؟ ما نذوقه من ألم لا يتمثل بحاجز نواجهه أو اجتياح خاطف وسريع تنفذه وحدة اسرائيلية ولا حتى مأساة الوطن الذي يضع على رقاب أبنائه سكينا، الألم الأكبر هو عجزنا
نعم عجزي أنا وعجز من حولي عن فعل أي شيء سوى التذمر
عجزنا عن المقاومة يخنقنا بل يقتلنا في اليوم آلالاف المرات
أتخيل نفسي كمحارب في ميدان الحرب، مكبل ومتروك، منسي وغير قادر على تخليص نفسه أو المضي في القتال، ويصبح همه الأول تدريجيا أن لا تصحنه الأرجل
هل ذنبنا أننا نعيش زمنا كهذا ، أظن أنه دائما يجب علينا ايجاد الحلول بالرغم من ازدياد اللطمات
اشتقت إلى مناقشة هذه المواضيع مع أحد أصدقائي في الجامعة، كنا نقضي ساعات في الحديث ومراجعة المقالات والتصريحات محاولين استشراف المستقبل
في الصباح كنت قد ارتديت قبعة صوفية وغمرت نفسي في بطانية صوفية أيضا، جلست على الكرسي المحاذي للنافذة، الصقت جبهتي بها وجعلت أتأمل الأشياء في الخارج، بدت سخيفة جدا وبدا الثلج مستفزا أكثر ما يمكن، وحتى ذوبانه بدا الأكثر استفزازا،
تعرقت النافذة فاضررت لأن امسحها بكمي وكفي فشعرت بالبرد وغمست كفاي في أكمامي وعندها شعرت بنعومة جلدي، للحظات غمرتني الأنثى في داخلي وأحسست بالخفة الشديدة والنعومة المفرطة
أخرجت يداي وقررت بأنه لم يكن الوقت المناسب بعد لاتخاذ أي قرار ربما في الغد سيستمر هطول الثلوج وستكسو الأرض حلة بيضاء سميكة لا نرى من خلالها أي شيء وقد أخرج حينها للمشي في مكان لم تعبث به الأيادي أو الأقدام لأكون أول من ينزع انسياب الأبيض واتنفس هواء نقيا، ربما! وبالتالي أشعر بقدرتي على اتخاذ قرار

Monday, December 31, 2007

كل عام وأنتم متفائلون

آخر ساعة في هذا العام،
عودت نفسي سنويا أن أنهي العام باختتام كتاب ولا أظنني سأفعل ذلك اليوم، في العام الماضي أظن أنني قرأت الطوارق وقد كان من أجمل الكتب التي قرأتها وعلى إثرها تعززت لدي الرغبة الشديدة في أن أفكر بموضوع السفر إلى الصحراء المغربية
منذ فترة وأنا أنتظر شيئا ما، أردد عددا من الكلمات هي ليست إلا تعبيرات عن مشاعر باتت تزعجني أحيانا وتشعرني بالراحة أحيانا أخرى
هذه المشاعر تتمثل في أننا مقبلون على أحداث مصيرية، قد يكون أي يوم مصيريا بالنسبة لشخص ما إلا أنني أشعر بقوة بأن هناك ما سيحدث ويحدد الكثير من الأمور في الفترة القادمة، لا أدري لماذا لا أشعر بالتفاؤل حيال ذلك ولكنني أتمنى أن تكون مشاعري خاطئة وأن تخونني،
في بعض اللحظات كنت أتمنى لو أن أكون في مكان غير هذا لأنني حقيقية لا أحب أن أشهد أي حدث مصيري أو أي تغيير قد يطرأ على الوضع العام
كثيرون يغرقون في هذا الشعور ولكن الأغلبية لا يعبرون عن ذلك ولكن بمجرد أن تتحدث أمامهم عن ذلك، يتصرفون وكأنها الكلمات التي يريدون قولها وتضيع
كنت أتصور بأن عامي هذا كان سيئا ولكني صدمت عندما رافقت أمي لإنهاء بعض الأمور وعلقت بأن حظها سيء جدا في ذلك اليوم بينما انفترت عن ثغرها ابتسامة وقالت بأنها ترى العكس تماما، استطاعت كما يقولون أن ترى النصف المملوء من الكأس بينما لم أستطع على الرغم من أنني أصغرها سنا وينبغي أن أكون أكثر تفاؤلا، ليست القاعدة هكذا طبعا ولكن الظروف التي تحيط بنا تجعلني على يقين بأن الواقع كان يجب أن يكون كما اعتقدت
مذهل! أو أن أمي مذهلة
عندما استرجعت بعض النقاط الأبرز في عامي استطعت أن ادرك بأنني حققت شيئا عظيما حقا، يكفي أني حصلت على الوقت الكافي لتلمس بعض المفاهيم المحيطة والتي لم أكن لأعرفها وتصبح بها حياتي كما هي في هذه اللحظة
ولكن أعود لأعتقد بأنه أكثر الأعوام تناقضا على الإطلاق، ففي حين لم يرحل العام قبل أن يصفعني أقصى ألم ويعيدني إلى حلقة لم أكن لاتمنى أن أعيش فيها ثانية، قدم لي العام فرصة فرح وحقيقة لا أدري ماذا أحس حيالها أو كيف أتصرف في زوبعة التناقض والهواجس والأحداث الكثيرة
قد أحفر الغد في قلبي وقد يمر كيوم عادي جدا جدا جدا وأحاول أن أرى فيه نور التفاؤل الضائع
كل عام وأنتم متفائلون

Friday, November 16, 2007

خُطار

على نافذة الطابق الثالث تسلق خطار أول الليل
عندما نلاحظهم أولا نجفل لا بل تكاد قلوبنا تقف لشدة قبحهم
يبادلوننا نفس المشاعر، جل التعابير والخطوط
نتحسن تدريجيا بعد فترة من الزمن
يزورنا خطار آول الليل ثانية دون أن نتوقع
تماما كما في المرة الأولى
لم نعد نخافهم
بل لمعت أعيننا عند رأينا الفرق
خُطار آخر الليل عودوا
بات وجودكم في نوافذنا ضرورة

Friday, November 9, 2007

ماذا لو نهضت يوما لتجد أنك لست أنت حقيقة

أظنني سأضحك
i might have done already
ماذا لو استيقظت لتعرف أنك لست أنت تحديدا ولكن نسبيا والأهم أن يغدو من المحرمات الخوض في البحث عن أنت الحقيقي
ورطة!
بالفعل ورطة

Sunday, October 21, 2007

بعض ما أتى في تدوينات إنسان



يمكن الافتراض أن هموم الأمة العربية، خاصة في هذه المرحلة، من أكثر هموم العصر كثافة ومأساوية.‏‏‏‏‏
لا شيء في مكانه الطبيعي أو الصحيح، ولا شيء يستند إلى قاعدة أو منطق؛ إن الاشياء في حالة من التداخل والاختلاط والتناقض تصل حدود الفوضى المطلقة.. أو تشبه المآسي الإغريقية العابثة والقدرية، هل هي حالة فريدة وهل هي مرحلة طارئة لا بد أن تنتهي مثلما حصل لشعوب أخرى كثيرة ؟‏‏‏‏‏
إن الأمرين معاً: وقد يكون هذا أحد عناصر المأساة، خاصة في هذه الفترة من عمر البشرية.‏‏‏‏‏
لقد عانت شعوب كثيرة من الاستعمار والاستغلال والاضطهاد، وعانت شعوب أخرى من التجزئة والإنقسام، لكن لو حاولنا المقارنة بين واقع الأمة العربية، في هذه المرحلة وواقع أية أمة أخرى نجد الفرق كبيراً جداً.‏‏‏‏‏
أية أمة أخرى على وجه الكرة الارضية تعاني من هذه الهجمة العنصرية البربرية المتمثلة بإسرائيل؛ جنوب افريقيا؟ ولكن جنوب افريقيا لا تزال تحمل على أرضها ذلك الشعب الذي يصارع أقلية مستغلة ولا بد أن يقهرها ويتغلب عليها يوماً ما لكي ينهي الاستغلال والاضطهاد.‏‏‏‏‏
أما إسرائيل فإنها شيء آخر، شيء خاص، وهذه الخصوصية تعطي المشكلة حجم المأساة ، تجعلها مختلفة عن أية حالة أخرى.‏‏‏‏‏
أية أمة أخرى تمتلك هذا المقدار الكبير من الملوك المتوجين وغير المتوجين. والذين يملكون كل شيء ولا تملك شعوبهم أي شيء؟‏‏‏‏‏
في إفريقيا؟ في جنوب أسيا؟‏‏‏‏‏
إن أية مقارنة بين ملوك وممالك تلك البلاد وما نراه هنا تظهر الفرق الكبير.. هناك الممالك والملوك إلى الزوال والانقراض... وهنا الملوك والممالك ينبتون كل يوم ويتضاعفون عدداً وثروة.‏‏‏‏‏
أية أمة أخرى تمتلك هذا المقدار الهائل من الثروة ولا تعرف سوى الاستجداء والركوع والتوسل؟‏‏‏‏‏
في أمريكا؟‏‏‏‏‏
ولكن، في تلك البلاد، رغم الاستغلال والقهر، فإن الشعوب قادرة، بعض الأحيان على أن تنتزع رؤوس ملوكها الأثرياء.. وحتى ملوك تلك البلاد قادرين على التمتع بثرواتهم بشكل أفضل آلاف المرات من أولئك الذين يحملون معهم قربهم وإبلهم ويذهبون إلى أوربا كل صيف لكي يفركوا أصابع أرجلهم ويتثاءبون ثم يذهبون إلى الجوامع والمواخير، ولا يعرفون هل يضاجعوا هنا أو أن يصلّوا هناك!‏‏‏‏‏
هناك آلاف القضايا التي لايمكن فيها المقارنة.. إن العرب أمة من نوع خاص. هل هي عنصرية؟ هل هو الحقد؟ هل هو التشاؤم‏‏‏‏‏
لقد وصلت جميع الشعوب إلى مشارف القرن العشرين، حتى شعب التيبت في أقصى جبال الهيمالايا يعرف الكثير الكثير عن هموم وشجون العصر، والعرب، رغم أنهم في مفترق الشعارات أو في نصف الأرض كما يقال فإنهم لا يعرفون إلا القليل القليل عن العصر الذي يعيشون فيه.‏‏‏‏‏
إن شيئاً ما فقد توازنه في الطبيعة، أصبح غير حكيم وغير ممكن. وإلا كيف نفسر ما يجري تحت أبصارنا وحولنا؟ كيف نفسر الجنون والسادية والتسليم الكلي للأعداء؟ إن الكلاب والقطط وجميع جنس الحيوان ترفض أن تكون ذليلة بهذا المقدار. وهي تعض اليد التي ترميها بحجر. فما بالنا نحب الذل ونقبّل اليد التي تصفعنا؟‏‏‏‏‏
ما بال الناس وقد كشفوا عن مؤخراتهم. مثل السعادين. وأخذوا يفاخرون الآخرين بهذا المنظر و يضحكون مع الآخرين ببلاهة؟‏‏‏‏‏
ما بال الفقراء قد استكانوا إلى هذه الدرجة ولم يعودوا قادرين على البكاء إلا خفية وتحت جنح الظلام؟‏‏‏‏‏
ما بال المحاربين يرمون أنفسهم بالنار بعد أن يئسوا من كل شيء ويرون كل ما حولهم يحترق ويتدمر ولا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً؟‏‏‏‏‏
ما بال الملوك والحكام لا يكفون لحظة واحدة عن الصراخ بالكلمات الكبيرة ويتحدون شعوبهم في كل وقت، ويخافون من كلمات صغيرة يحملها سفير دولة مجهولة؟‏‏‏‏‏
الفقر والذل والحاجة والموت اليومي والاستجداء والصراخ والبكاء والتناسل.. وأخيراً الموت الكلي ولا أحد يرفع صوته، لا أحد ينادي أو يقول كفى؟‏‏‏‏‏
ليس هناك أمة مثل العرب.. يجب أن نعترف ونسلم.. ويجب أن يكون الاعتراف بصوت عالٍ وأمام جميع كهنة العالم.. ويجب أن يكون التسليم أكيداً وراسخاً لأنه بداية سلوك الطريق الآخر. أما المكابرة والعناد، أما اتباع طريقة النعام، أما الادعاء الرخيص المزور فإنه يقودنا إلى مزيد من المهانة والذل والانتظار.. إنه طريق هزيمتنا الحقيقية..‏‏‏‏‏
ألم نهزم بعد؟ نعم لم نهزم.. قد يهزم جيل، قد يهزم قادة، قد يهزم ملوك أما الناس فإنهم لا يستطيعون أن يهزموا.. نعم لا يستطيعون. حتى لو أرادوا.. تفاؤل؟‏‏‏‏‏
لا.. إنها طبيعة الحياة، قانونها.. اتجاهها، ولا يمكن أن تغير الحياة طبيعتها أو قوانينها أو اتجاهها من أجل مجموعة من القردة الممسوخين.. نعم لا يمكن أن تغير الحياة، حتى لو دفعوا لها جميع أموال النفط وجميع معادن الأرض.. إنها مستقلة وبمعزل عن إرادة هؤلاء ..‏‏‏‏‏
تفاؤل أيضاً؟ يمكن أن يسمى هذا الشيء، أي شيء.. لكن الاسم الحقيقي يبقى هو الاسم الوحيد.‏‏‏‏‏
إنه صراخ في ليل عميق‏‏‏‏‏
هكذا يمكن أن يلخص الوضع كله، ولا شيء غير ذلك.. إنه أولاً ليل.. وإنه ثانياً طويل.. وإنه أخيراً صراخ، لكن كل ليل مهما كان طويلاً لا بد أن ينتهي، وكل صراخ مهما كان خافتاً، يمكن أن يسمعه في النهاية أحد ويستجيب له.‏‏‏‏‏
هل هي لحظة غضب؟ توتر ؟ تشاؤم؟‏‏‏‏‏
أكاد ألمس الصبح بيدي الإثنين، وأكاد أرى جميع التفاهات التي تغطي الأرض العربية تنزلق بسرعة نحو المراحيض.. وأكاد أسمع أصوات الأجنة في بطون الأمهات يتنادين بأسماء وكلمات أكثر وضوحاً وأشد قوة من كل الصراخ الذي يملأ الأجواء العربية في الوقت الحاضر.. وأكاد أرى جماجم جميع الملوك وقد أصبحت جافة لفرط ما مر عليها من الزمن.. أكاد أرى كل ذلك بعينيي‏‏‏‏‏
أحلم؟ يمكن أن تقولوا إنه الحلم.. ولكن كثيراً من الآحلام هي التي غيرت الواقع. خاصة إذا كان الحالمون رجالاً أقوياء. يستطيعوا أن يترجموا الحلم إلى فعل.‏‏‏‏‏

ساعة غضب

عبد الرحمن منيف


أعتقد بأنني سأسمح بنقل نص في مساحتي الخاصة لأنه يستحق ذلك

وأعطي نفسي الحق بأن أهديه لكل إنسان يؤمن بإنسانيته ويعتقد بأنها كنزه الأغلى‏‏‏‏‏

Friday, October 12, 2007

وقعهُ جميل

قبل أن أغمض أعيني قررت بأني سألتقيه قبل الفجر بقليل
يعذبنا الشعور كثيرا عندما نحاول رسم صور "للمحرمات" ولكني قررت أن أخترقها قليلا سيما أنه لم تكن لدي نوايا سيئة أو ما شابه
سألته أن يوقذني قبل الفجر لأشاهد سحره الذي رسمته على مدى أسابيع، بحيث أني كنت أؤجل ذلك الموعد وأستعد له، أتدرب على التركيز والصبر والإيمان بأدق التفاصيل، ارتجفت فرحا قبل أن أغط في نومي
لم يخالف الموعد وهو كذلك دائما، لم أطلب إليه ذلك يوما إلا ولبى لي ذلك، قفزت جالسة في سريري انتظر حضوره المقدس
أسندت ظهري إلى مقدمة السرير وأرخيت أضلعي جميعها ولم تظهر له أو للفجر أي علامات بعد
رويدا رويدا يجتاحني سلام وأعرف أني على بعد دقائق منه، أضع يداي على قلبي وأحس بطاقتي الداخلية تنتقل وتنتظم ويزداد شعوري بالسلام وكانت تلك المرة الأولى التي أحب فيها السلام حقيقة أو أنني أختبر له معنا آخر بكل ما تحمله الكلمة من معنى،
دواليب أو تيارات حارة في يداي وأذناي اللتان التقطتا وقع صوت وسط جميع التفاصيل المحيطة في الخارج، لم يكن من الصعب أن يحصل ذلك فالنافذة ملاصقة
وفي حين تبدأ التفاصيل بالتحرك تدريجيا كأن أنفاسه تقترب أكثر، النسائم وكل شيء
السكينة تهبط علي ويرتفع صوت الكون الذي استيقظ، تحدث طائران كنت أحب صوتيهما جدا ولم أسمعهما مذ وقت طويل، تحدثا فوق شجرة الصنوبر التي اهتزت عروقها بهدوء لا يمكن تصور نعومته، يا ليته يصل حتى أفتح عيناي ويقدر لي أن أرى العصفورين وعضون الصنوبر،
عندما أعتقد بانه قريب وبأنه اكتفى بمسافة أو ما شابه تقرر جفوني أن توقف سترها للنظر، وما أن انفتحت أعيني حتى دخل قلبي ولم أمتلك نفسي
لا أدري إن كان شعورا بالذهول أو الفرح أو الإيمان أو السكينة أو السلام أو كل ما ذكرت الآن وسابقا معا لكنه كان ساحرا بأضعاف القدر الذي خلته
في لحظة كهذه لا يمكن أن نحبس أنفسنا عن عدد من الأمور التي تحدث بل ونرتاح نحن لحدوثها ونواصل الخوض بها
عندها وبعد أن تنهدت أوشحت بناظري إلى أعلى الشجرة، لم أجد العصفورين، نظرت إلى الأغصان فاهتزت بذلك الهدوء ، حينها أدركت بأنه لا يجب أن أراها لأشعر بها وأحسها بقوة وتبادلني الخير أو الحديث وحتى هو لم أراه ليس لأنه لم يأتي فقد عرفت ما معنى أن يكون دائما هناك ومعنى أن أشعره أنا
أحبه وأؤمن تماما بأنه يحبني كثيرا وإلا لما حدث كل ذلك